أخبار وطنية 71 سنة مرّت على استشهاده تحت التعذيب زمن الإستعمار: عائلة المقاوم "عمر بن سليمان" تناشد الدولة باسترجاع رفاته وتروي هذه المعطيات
عن بطولات كادت أن تُطوى في صفحات النسيان، وكاد أن يلتهمها جحود الإنسان... عن ملاحم حُبّرت بنضالات الحرائر والأحرار، عن تاريخ نفخر به لم يكن ليكتب لولا من خاضوا بالروح والنفس والدم والوجدان معارك لن تنساها ذاكرة الزمان...
تستمرّ أخبار الجمهورية في النبش عن ملاحم منسية كان أبطالها مقاومون ساهموا في تحرير بلادنا ونيل استقلالها، وكان لهم دور هام في اندلاع ثورة الكفاح المسلّح أيام الاستعمار، ورغم أننا لسنا بمؤرّخين ولا ندّعي ذلك إلّا أنّنا نحاول أن نساهم في تسليط الضوء على أسماء نضالية لم تذكرها أو تجاهلتها مُدوّنات التاريخ "الرسمي-النرجسي"...
عمر بن سليمان... هو ليس اسما عاديا يكتب ليُقرأ فنمرّ عليه مرور الكرام... هذا الإسم ينتمي لأوّل الشهداء الأبطال الذين سقطوا بيد اندلاع ثورة الكفاح المسلّح "المنظّم" في تونس (18 جانفي 1952)... استشهد بقفصة تحت تعذيب قوات المستعمر يوم 5 مارس 1952، اقتلعت أظافر يديه وقدميه، فصرخ ونزف ونكّل بجسده لكنّه لم يستسلم ولم يبح بسرّ فكان مصيره أن اغتيل ودُفن في مكان لا يعلمه أفراد عائلته إلى اليوم...
71 سنة مرّت على استشهاده ورفاته مفقود.. لا صورة تحتفظ بها عائلته سواء كانت حقيقية أو تقريبية له... كل ما تذكره ومقرّبون عايشوا مآثره على ألسنة عدد من المقاومين الذين خاضوا ملحمة التحرير آنذاك، هو مشاركته مع عدد من المناضلين في ملحمة الكفاح المسلّح التي انطلقت شرارتها بقفصة إبان إطلاق الزعيم الوطني أحمد التليلي أوّل رصاصاتها تحديدا من غار "الجدارية" وكان ذلك من بندقية الشهيد عمر بن سليمان...
(صورة للسيد علي بن سليمان الإبن الأصغر للشهيد عمر بن سليمان)
هذا بعض ما أكّدته لنا عائلة المقاوم البطل عمر بن سليمان خلال لقاء جمعها بموقع أخبار الجمهورية، وكان ذلك على لسان ابنه السيد علي بن عمر بن سليمان والذي استشهد والده ليتركه طفلا يبلغ من العمر 8 سنوات، والسيد عمر تليجاني نقابي ومن بين مؤسسي الفرع الجهوي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة برئاسة الحقوقي الراحل ثابت قوادر.

(صورة للنقابي عمر تليجاني-على اليسار- رفقة الأمين العام للمنظمة الشغيلة نور الدين الطبوبي)
وفي إطار الحديث عن هوية الشهيد عمر بن سليمان تليجاني ودوره في معركة الكفاح المسلّح، تطرّق السيد عمر تليجاني في مطلع تصريحه إلى مرحلة من مراحل الإعداد للثورة المسلّحة في تونس...
فنوّه إلى أنه وبعد تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل بتاريخ 20 جانفي 1946، وعلى اثر ما شهدته تونس في تلك الفترة وما قبلها من مواجهات مع قوات الاحتلال الفرنسي (على غرار ثورة المرازيق سنة 1943) والحراك الوطني من أجل نيل الاستقلال والتي قادها الحزب الحر الدستوري التونسي عن طريق الحركة الوطنية...
هنا تجدر الإشارة إلى أنّ التفكير في الانطلاق الفعلي لثورة الكفاح المسلّح لم يكن وليدا للحظة وغير مخطّط له بل كان ثمرة ونتاجا لخارطة طريق تم ضبط أسسها، وقد كان لأحمد التليلي الذي يعدّ من أبرز الزعماء النقابيين في تاريخ الحركة النقابية التونسية والافريقية وأحد الفاعلين في حركة التحرّر الوطني زمن الاستعمار الفرنسي لتونس من أهم العقول المدبّرة للكفاح المسلّح المنظّم.
كواليس اللقاء الأول بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وأحمد التليلي
وقد مثّل لقاء الأول بين الزعيمين أحمد التليلي والحبيب بورقيبة في بيت الأخير برحبة الغنم (معقل الزعيم) وذلك إثر عودته من المشرق في أواخر سنة 1949، أحد أبرز المحطات التي مهّدت وعبّدت الطريق نحو مرحلة الكفاح المسلح فاتفقا على بعث اللجنة الوطنية للمقاومة والتي تراسها التليلي، كما تم الانطلاق في الاستعداد المادي والبشري من خلال استقطاب المقاومين وتدريبهم.
لذلك فإنّ التفكير في خيار الكفاح المسلّح كان "يطبخ على نار هادئة"، حيث تمّ حشد المقاومين سرّا وإخضاعهم إلى تدريبات حمل السلاح والتجنّد على جمعه، حتّى تحوّلت تلك النار الهادئة إلى سعير سرعان ما امتدّ ونشب لهبه ليشعل نيران الثورة المسلّحة في كل المدن والقرى والجهات والولايات...
ولم يرق هذا التوجه والاستعدادات لشرائح واسعة من قيادة الحزب الدستوري خاصة إثر تشكل حكومة شنيق التفاوضية مع فرنسا والتي شارك فيها الحزب الحر الدستوري الجديد من خلال تعيين صالح بن يوسف وزيرا للعدل.
الا ان القوة الاستعمارية بعد مدة من المماطلة ردّت على تطلعات التونسيين بمذكرة 15 ديسمبر 1951، والتي عبرت من خلالها فرنسا على موقفها الرافض لتغيير الأوضاع في تونس. فكان ذلك بمثابة اعلان قطيعة قد زاد من تغذية خيار الكفاح المسلّح المنظّم، فتتالت الاحداث وبرزت محطات عديدة على غرار خطاب الحبيب بورقيبة الذي توجه به الى الشعب التونسي في بنزرت بتاريخ 13 جانفي 1952 ودعا فيه إلى الكفاح المسلّح ضد المستعمر.
وهنا يؤكد عمر تليجاني وهو صهر الشهيد عمر بن انّه بتتالي الأحدات وبتاريخ 17 جانفي 1952، نظّم الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة الزعيم الوطني فرحات حشاد هيئة إدارية وطنية تقرّر على إثرها القيام بالثورة المسلحة ضد المستعمر اثر انسداد أفق المفاوضات مع المحتل الفرنسي والمظاهرات التي شهدتها ماطر وبنزرت وأدّت إلى جرح العديد من التونسيين...
تاريخ مفصليّ في خارطة الوعي الوطنيّ التونسي
ويبيّن محدّثنا أنّه بتاريخ 18 جانفي 1952، اجتمع الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري لعقد مؤتمر سرّي للتأكيد على ضرورة انطلاق شرارة الثورة المسلحة بعد فشل كل "تعاون مثمر بين البلدين"..
وفي نفس اليوم قامت السلطات الاستعمارية بإيقاف الحبيب بورقيبة ووضعه تحت الاقامة الجبرية رفقة المنجي سليم مدير الحزب الدستوري وقتها ووضعهما تحت الإقامة الجبرية بطبرقة، الى جانب اعتقال المئات من الوطنيين (دستوريين ونقابيين وشيوعيين) ونفيهم ...
ويضيف محدّثنا أنّه وعلى إثر هذه الأحداث توجّه الزعيم أحمد التليلي عضو الهيئة الإدارية الوطنية لاتحاد الشغل آنذاك ولكونه كاتب عام الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة، توجّه إلى مسقط رأسه للاتصال بعدد من المقاومين من بينهم مجموعة تطوّعت في المقاومة الفلسطينية سنة 1948 وكذلك مع أعضاء الشعب الدستورية والنقابيين بالجهة وبعض المعروفين بحملهم للسلاح والخبرة في استعماله..
وكان الزعيم أحمد التليلي يجتمع بهم في دهليز بدار الاتحاد الجهوي بقفصة وبالتنسيق مع الجميع تم الاتفاق على انطلاق الثورة المسلحة من خلال التخطيط والبدء في تنفيذ العمليات المسلّحة المنظّمة ضد قوات المستعمر..
وصيّة الشهيد إلى رفاقه في درب الكفاح المسلّح...
وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الشهيد عمر بن سليمان وفق ما أكّده ابنه السيد علي بن سليمان كان منذ أواخر سنة 1951 مرابطا بجبل عرباطة تحديدا بغار يطلق عليه "غار الجدارية" للاحتماء فيه رفقة ابنيه الأكبرين "علي وحسين" وعدد من الثوّار، فيما أرسل زوجته وابنه الصغير (وهو محدّثنا السيد علي بن سليمان صاحب الصورة المرفقة بالمقال) إلى قبلي أين يقطن أهلها خوفا عليهما من بطش المستعمر..
ويأتي تحصّن الشهيد بالجبل لكونه كان مفتّشا عنه على خلفية حراكه ضد المستعمر بمنطقة لالة قفصة، الى جانب عدد من المقاومين المعروفين بعدائهم الشديد لـ«الجدارمية» من بينهم محمد بن عمر بن نوي ومحمد بن خذيري والتحق بهم فيما بعد القائد الوطني لزهر الشرايطي الملقّب بأسد جبل عرباطة، علما وأنّ بن سليمان كان عضوا مؤسسا لأحد الشعب الدستورية واسما معروفا لدى السلطات الفرنسية...
ويعود سبب اصطحاب المناضل عمر بن سليمان لابنيه الأكبرين للتحصن معه في الجبل لأنهما كانا على دراية وإلمام بتفاصيل تهمّ الاجتماعات السرية للمقاومين، حتى انّه في إحدى المرات أخبر رفاقه المقاومون المرابطين معه بالجبال بالتضحية بولديه في صورة القبض عليه والخشية من الإطاحة بهما وبالتالي إمكانية اعترافهما بما يعلمونه من أسرار لصغر سنهم وعدم تحملهم التعذيب في صورة إلقاء المستعمر القبض عليهما.
وبالعودة إلى ما بعد اجتماع أحمد التليلي بعدد من المقاومين بجهة قفصة وإيفائه الوعد الذي أطلقه وكان قد صرّح به بورقيبة في إحدى خطبه عن الثورة والمقاومة حيث قال بأنّ التليلي قد أفاد " توة نوخذ كفني على راسي ونمشي للجنوب" وفق ما جاء في كتاب في طور النشر لمحدّثنا السيد عمر تليجاني...
ما وراء اجتماع بورقيبة والتليلي بمنزل الحاج علي القطاري؟
وهنا يكشف محدّثنا عن كواليس تخصّ اللقاء الذي جمع كل من الزعيمين الحبيب بورقيبة وأحمد التليلي ومجموعة من الوطنيين في قفصة وذلك بمنزل "الحاج علي القطاري" في معتمدية القطار، حول مسألة انطلاق ثورة الكفاح المسلح.
ويعرّج إلى أنه خلال ذلك الإجتماع نشب خلاف بين الحاضرين الذين انقسمت مواقفهم وتباينت بين مؤيّد لتكوين عصابات مهمتها القيام بعمليات سرية مباغتة للمستعمر، وآخرون شددوا على ضرورة الانطلاق الفعلي في شنّ عمليات مسلّحة منظمة وممنهجة يتم التخطيط إليها من الجبال التي يرابط فيها المقاومون.
ومن بين المجموعة التي تمسكت ببدء الكفاح المسلّح المنظّم كل من لزهر الشرايطي وعمر بن سليمان ومحمد بن أحمد بن يامنة وآخرون، وبعد انتهاء الاجتماع، اجتمع كل من أحمد التليلي وبورقيبة ومعهم لزهر الشرايطي بالمجموعة التي رفعت راية للكفاح المسلح لمحاولة التوفيق بينهم وبين المجموعة الأخرى حتّى تحترم كل واحدة منها القرار المختلف وتقوم بما تراه مناسبا لها.
وهنا يؤكد محدّثنا بأنّ هذا الاجتماع الذي سبق تاريخ 17 و18 جانفي 1952 كان اجتماعا مفصليا في تاريخ الحركة الوطنية، حيث انه وعلى إثره تم اتخاذ قرار الانطلاق في الثورة الوطنية المسلحة قبل الإعلان الرسمي عنه.
خطّة تطويق منافذ قفصة
وفي تتابع للأحداث، يبرز محدثنا أنه بتاريخ 24 جانفي 1952 وعلى إثر الاتفاق على بدء العمليات المسلّحة المنظّمة وبعد قرار أحمد التليلي تطويق منافذ قفصة بمجموعات ثورية مكلّفة بقيادة العمليات المسلّحة (طريق قابس أولاد تليجان، والقطارية وأولاد بوعمران في مدخل قفصة.. وطريق توزر-المتلوي العكارمة، وطريق القصرين- قفصة المدينة أولاد سيدي عيش، وطريق تونس أولاد حاج، وطريق صفاقس-أولاد عبد الكريم وأولاد شريط والردادية ).
في هذا التاريخ الذي يتلو الإعلان عن انطلاق شرارة الثورة المسلحة والاعلان الرسمي عنها، توجه أحمد التليلي على متن دراجة نارية نحو غار جدارية اين يتحصّن الشهيد عمر بن سليمان ورفاقه (عددهم 12 مقاوما)، وهناك تمّ الاتفاق على بداية تنفيذ العمليات المسلّحة بالجهة.
وأكّد محدّثنا أنه وفي نهاية ذلك الإجتماع أخذ التليلي بندقية بن سليمان ليطلق منها أوّل رصاصة كإشارة انطلاق شرارة الكفاح المسلّح.
عمليّة وادي بيّاش
وعن عملية وادي بياش التي تم القيام بها في جهة قفصة عن طريق 17 مقاوما وكان الهدف منها زعزعة أمن المستعمر، أكّد محدّثنا أنها كانت بتاريخ 29 جانفي 1952 واستهدفت مولدا كهربائيا بواد بياش بالقصر قفصة وكانت تنفيذا لأوامر الزعيم أحمد التليلي الذي كان قد أرسل بتاريخ 26 جانفي مجموعة من الأسلحة عن طريق المناضل العربي بن الصامت على ظهر جمل وطلب تسليمها الى عمر بن سليمان ليوزّعها على عدد من المقاومين المجتمعين بجهة لالة وهم على التوالي (لزهر الشرايطي، عمر بن سليمان، منصور تليجاني، نصر بن عبد الله، ابراهيم بن عبد الله، محمد بن عمر النوي، الصادق بن الصامت).
"السطح" أوّل عملية مسلّحة منظمة في تاريخ ثورة الكفاح المسلّح...
أمّا عن عملية "السطح" التي تعتبر أوّل العمليات المسلّحة المنظّمة على مستوى البلاد التونسية وكانت تنفيذا لأوامر أحمد التليلي، فقد كانت بتاريخ 13 فيفري 1952 وتزامنت مع اغتيال خليفة القطار سليمان بن حمودة بمقهى قرب سوق البلدي.
واستهدفت هذه العملية سيارة تقل عدد من «الجدارمية» كانوا متوجهين الى منطقة أم العرايس، وتم على إثرها مصرع فرنسيين والسطو على ذخيرتهما وكان قائد هذه العملية البطل الشيخ العربي العكرمي علما وأنّ منفّذيها كانوا من "العكارمة".
وعلى إثرها شنّ المستعمر الفرنسي حملة شرسة من الإيقافات، حيث تم القبض على عدد من المناضلين الوطنيين من بينهم عمر بن سليمان، الصادق بوهلال، ومنصور تليجاني، ومحمد بنيامنة والزعيم أحمد التليلي الذي بقي رهن الإعتقال إلى أن أفرج عنه في جويلية من سنة 1954...
وعودة الى القبض على الشهيد عمر بن سليمان، يؤكد محدثنا بأن قوات المستعمر وعلى اثر القيام بتلك العملية (السطح) جن جنونه وأمر بالبحث عن عمر بن سليمان في كل مكان الى أن تم القبض عنه إثر كمين نصب له، مشيرا الى أن طريقة القبض عليه ظلت غامضة وانه يتحفّظ عن ذكرها لأسباب لم يرغب في كشفها.
دور الشهيد عمر بن سليمان في تأسيس أحد الشعب الدستورية
وعن دور الشهيد عمر بن سليمان في تأسيس أحد الشعب الدستورية التي عرفت بشعبة "أولاد التليجان" بمنطقة لالة التابعة لقفصة، أخبرتنا العائلة على لسان النقابي عمر تليجاني أن دوره كان هاما في هذه المسألة، مشيرا إلى أنه وفي سنة 1949 انطلق الحزب الحر الدستوري في مرحلة تكوين شُعبه في مختلف الجهات ويساعده في ذلك بعض الأفراد المنتمين إلى عروش وقبائل متعدّدة كانت معروفة بدعمها للمقاومة التونسية.
ويضيف أنّ مساهمة تأسيس عمر بن سليمان لأحد الشعب الدستورية كان على إثر الزيارة التي أداها كل من السهيلي بلقاضي المسؤول الاجتماعي بجامعة قفصة وسليمان جراد المسؤول على الشبيبة بالجامعة، الى منطقة "الفالتة" للتشاور معهم حول مسألة تكوين الشعب الدستورية...
وقد اجتمعا في بيت المناضل الصادق بوهلال الذي كان معروفا بوطنيته وروحه النضالية الداعمة للحركة الوطنية، فضلا عن دوره الكبير في إنتماء "أولاد التليجان" إلى الشعب الدستورية في تلك الفترة وهم الذين سجّلوا أسماءهم في معركة الكفاح المسلّح بقفصة من خلال مشاركة عدد كبير من أبنائهم في كثير من المعارك الملحمية (من بينها معارك الرديف، سيدي عيش، جبل الروانة...) إلى جانب كل من تجنّد من أجل تراب هذا الوطن مهما اختلفت الأسماء والألقاب والعروش والقبائل وتمدّدت في مختلف الجهات والمدن والقرى والأرياف.

(صورة نادرة لعدد من منفّذي معركة الروانة 18 نوفمبر 1954 واستشهد فيها 20 مقاوما)
وعلى إثر هذا اللقاء الذي جمع بوهلال وجراد وبن سليمان تمّ الاتفاق حول إعطاء المشعل للشهيد عمر بن سليمان لتولي مسألة تكوين الشعبة الدستورية بالمنطقة وهو ما تحقّق سنة 1949 ليكون أعضاؤها كما يلي (علي بوزميطة رئيس شعبة، وضو بن الأخضر كاتب عام، والصادق بوهلال (أمين مال) وكل من عمر بن سليمان وابراهيم بن عبد الله شُهر بن الأقبج ومحمد بن الساكر ولزهر بن محمد علي وعلي الصالح أعضاء)..
هذا ما حفظته ذاكرة عائلة عمر بن سليمان عن استشهاده..
وبالعودة إلى حادثة اغتيال المقاوم عمر بن سليمان واستشهاده تحت التعذيب، أكد لنا ابنه السيد علي بن سليمان بأنّه تم التنكيل به وتعذيبه الى درجة اقتلاع أظافر يديه وساقيه وفق ما أكده للعائلة عدد من المقاومين المعتقلين معه في تلك الفترة والذين كانوا شاهدين على ما وقع له من تنكيل وتعذيب حيث نفذت أصوات صراخه إلى مسامعهم من شدّة ما مارسه المستعمر عليه من شتّى أنواع التعذيب إلى جانب رؤيتهم له وهم يخرجونه والدماء تكسو كامل جسده.
هذا إلى جانب شهادة قدّمها أحد "الصبايحية" حول تفاصيل تخصّ تعذيب الشهيد، علما وأنّ عملية تعذيبه تمت داخل دار المُراقب الفرنسيّ بجهة قفصة الذي تحوّل إثر الاستقلال مقرّا للولاية.
وجدّدت عائلة الشهيد تأكيدها عدم تسلّمها جثمان فقيدها وفقيد كل الوطنيين الأحرار الذين ساهموا في نحت ملحمة الاستقلال، بل هي لا تعلم الى اليوم أين يوجد رفاته وفي أي جهة من البلاد يرقد، منوّهة الى أنها تقدّمت بشكاية للمطالبة عن مكان رفاته إلى جانب تقدّمها إلى بلدية تونس بطلب يمكّنها من البحث في أرشيف مقبرة الجلّاز عن مرقد الشهيد لكن للأسف لا أثر له ولا طلل...
وناشدت عائلة عمر بن سليمان الدولة التونسية بالتدخل لإعادة الاعتبار للشهيد والكشف عن مكان رفاته، هذا الشهيد الذي تمّ اغتياله وهو في أوج عطائه الثوري الذي أربك المستعمر من خلال مشاركته في العديد من العمليات السرّية المسلّحة ضد المستعمر بالجهة الى أن استشهد تحت طائلة التعذيب دون أن ينبس ببنت شفة عن رفاقه المقاومين المرابطين من أجل استقلال الوطن.
تبني أحمد التليلي لأبناء عمر بن سليمان...
وفي ذات حديثها، كشفت لنا عائلة الشهيد بأنّه وبعد سنة من نيل تونس لاستقلالها سنة 1956، قرّر الزعيم الوطني أحمد التليلي تبنّي أبناء الشهيد عمر بن سليمان ونقلهم من قفصة إلى تونس للعيش معه في منزله ومعاملته لهم كأبنائه وكان ذلك من سنة 1957 الى 1964، وهنا لسائل أن يسأل عن أهمية عمر بن سليمان لدى أحمد التليلي حتّى يقرّر هذا الاخير بعد الاستقلال البحث عن أبنائه وتبنيهم لسنوات ثمّ التوسّط لانتدابهم في الشّركة الجهويّة للنّقل بقفصة "القوافل" التي تمّ إنشاؤها سنة 1963..
وهنا يقول النقابي عمر تليجاني إنّ القيمة الحقيقية لعمر بن سليمان ودوره في ثورة الكفاح المسلّح لا يعلمها إلّا أحمد التليلي ولزهر الشرايطي، فهما أكثر من تقاسما معه عددا من الأسرار المتعلقة بالكفاح المسلّح في أوج بداياته بقفصة مجدّدا التأكيد بأنّه أول شهيد سقط إبان ثورة الكفاح المسلّح المنظّم وبعد أوّل العمليات المنظّمة وهي معركة السطح.
حكاية النصب التذكاري للشهيد البطل "بوجمعة بن زايد"
لن يمحو وجدان هذا الوطن تاريخا كتبته النضالات والتضحيات وحبّرته الدماء والأرواح التي صعدت إلى السماء فداء لاستقلال البلد، وهنا تتالى الحكايات وتتعدّد صفحات البطولة والاستبسال ضد المستعمر من بينها قصّة الشهيد البطل "بوجمعة بن زايد" الذي شارك في معركة الرديف بتاريخ 28 سبتمبر 1954 وخاضها ما يقارب الـ 360 مقاوما واستعملت فيها القوات الفرنسية الأسلحة الثقيلة والتجات لأول مرة إلى استخدام طائرتين وفق ما يذكره عدد من المؤرخين.
في هذه الملحمة، استشهد ثلاثة مقاومين وهم بوجمعة بن زايد من فرقة عمار التليجاني والهادي الوصيفي من فرقة علي بن ترعة المرزوقي ومحمد علي الخليفي من فرقة الأزهر الشرايطي.
و تشير شهادات عدد من المقاومين المشاركين في تلك المعركة أنّ البطل بوجمعة بن زايد استبسل قبل استشهاده لإنقاذ رفاقه من الثوار، حيث رفض نجدته من قبل رفاقه إثر إصابته على مستوى ساقه ويده وارتأى القتال حتى نفاد آخر رصاصة من رشّاشه الذي رفعه في وجه القوات الإستعمارية للتظليل على رفاقه حتّى ابتعادهم عن أرض المعركة...
ووفاء لما قدّمه من بطولة شيّد "أولاد سيدي عبيد" في المكان الذي استشهد فيه مع رفاقه نصبا تذكاريا له حتّى لا تنسى الأجيال القادمة ما بذله أجدادنا لفائدة تحرير بلادنا.
العمليات المسلّحة التي وقعت بقفصة سنة 1952
وافانا النقابي عمر تليجاني بأهم العمليات المسلّحة التي وقعت في قفصة منذ انطلاق ثورة الكفاح المسلّح كما يلي:
- 29 جانفي 1952: نسف المولد الكهربائي بالقصر قرب واد بياش
- 10 فيفري 1952: إطلاق النار على دورية يقودها الجنرال "لاجاك" بمنطقة الدوالي وسط مدينة قفصة
- 13 فيفري 1952: عمليّة السطح طريق أم العرايس التي قتل فيها جنديين فرنسيين
- 03 ديسمبر 1952: إطلاق النار على دورية أمنية بالقصر وقتل فيها ضابط فرنسي واستشهد بسببها يوم 04 ديسمبرمن ذات السنة 6 من أبنائها برصاص الجيش الفرنسي، وهم كل من الشهداء: الأزهر فولي – محمد الصالح بن عبد القادر – بالقاسم مسعود – بشيراللافي – محمد خدومة – عبد المجيد بن عمارة، إلى جانب التنكيل بسكانها والعبث بممتلكاتهم.
- 08 ديسمبر 1952: إطلاق النار على مهندس فرنسي معروف بانتمائه لليد الحمراء وذلك كردّة فعل من المقاومين على اغتيال الزعيم الوطني فرحات حشاد يوم 05 ديسمبر 1952...
ملف من إعداد منارة تليجاني